الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

29

نفحات الولاية

التوحيد وشرح أسماء اللَّه وصفات الجلال ، خيل إليك أنّه فيلسوف رباني سبر أغوار التوحيد وانهمك فيه لسنوات متمادية وليس له مثل هذا العمق فيما سواه ؛ فليس للتجسم من سبيل إلى حديثه ، ولا من سبيل إلى سلبه الصفات ، بل يقدم صورة عن التوحيد تجعل الإنسان يرى ربّه ببصيرته في كافة السماوات والأرضين حاضر فيها وفي نفسه فيمتلئ قلبه حبّاً للَّه‌ومعرفة به . بينما لا تكاد العين تقع على خطبته في الجهاد ، حتى لا تغيب عنها صورته كآمر شجاع ومقاتل باسل مغوار قد ارتدى بزته العسكرية وأخذ يستعرض أساليب الحرب وفنون القتال وستراتيجية الدفاع والهجوم ، وكأنّه أفنى عمره في ميادين الوغى وساحات القتال ولم تدعه يفكر في ما سواها . فإذا تصفحنا نهج البلاغة وطالعتنا خطبه ووصاياه لعماله وولاته حين أخذ بزمام الأمور وتزعم قيادة الامّة ، رأيناه يكشف النقاب عن عناصر تألق الحضارات وازدهارها وأسباب سقوطها وانهيارها ، إلى جانب استعراض مصير الأقوام الظالمة والأمم المستبدة بالإضافة إلى الأسس والمبادئ التي من شأنها ضمان سلامة الأنظمة الاجتماعية والسياسية الحاكمة ، بما يجعلك تظن بأنّه عكف عمراً على هذه الأمور ويختص بها دون الاهتمام بسائر ميادين الحياة ونواحيها . ثم نقلب صفحات النهج لنراه زعيماً أخلاقياً هادياً البشرية نحو تهذيب النفس ومكارم الأخلاق . يلتقيه أحد الأصفياء من أصحابه ويدعى « همام » الذي يسأله أن يصف له المتقين . فيعدد له عليه السلام ما يقارب المئة من صفاتهم بعبارات أحكم صياغتها وبلاغتها كأنّه جلس عمراً لدروس الأخلاق والتهذيب وتربية النفوس حتى يصعق همام صعقة كانت نفسه فيها . حقاً إنّ هذه الأبحاث العميقة الفريدة المتنوعة التي شحن بها نهج البلاغة تعدّ من الخصائص والمميزات التي اتصف بها هذا الكتاب العجيب . أقوال العظماء بشأن جاذبية نهج البلاغة الأقوال التي ساقها كبار جهابذة العلماء بخصوص الجاذبية الكامنة في نهج البلاغة تعتبر من الشواهد التي تعزز ما أوردناه سابقاً بهذا الشأن : فالسيد الرضي جامع نهج البلاغة الرائد الذي يعدّ من مشاهير الأدباء العرب يصرح